الشيخ محمد رشيد رضا
263
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والاعتدال ، فيوافق البدوي الساذج والفيلسوف الحكيم وما بينهما من الطبقات ، قال اللّه تعالى ( 35 : 22 ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) ( 8 ) نصوص الكتاب وهدي السنة مراعى فيهما درجات البشر في العقل والفهم وعلو الهمة وضعفها ، فالقطعي منها هو العام ، وغير القطعي تتفاوت فيه الافهام ، فيأخذ كل أحد منه بما أداه اليه اجتهاده ، ولذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم يقر كل أحد من أصحابه فيه على اجتهاده كما فعل عندما نزلت آية البقرة في الخمر والميسر الدالة على تحريمها دلالة ظنية فتركهما بعضهم دون بعض ، وأقر كلا على اجتهاده إلى أن نزلت آيتا المائدة بالتحريم القطعي . قال تعالى ( 29 : 43 وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) وبيان ذلك أن الفرائض الدينية العامة فيه والمحرمات الدينية العامة لا يثبتان إلا بنص قطعي يفهمه كل أحد ، والأول مذهب الحنفية وأما الثاني وهو التحريم فهو مذهب جمهور السلف أيضا ، وأما الآيات الظنية الدلالة والأحاديث الآحادية الظنية الرواية أو الدلالة فهي موكولة إلى اجتهاد من تثبت عنده في العبادات والاعمال الشخصية ، وإلى اجتهاد أولي الامر في الاحكام القضائية والمسائل السياسية . وقد بينا هذا في مواضع من التفسير والمنار ( 9 ) معاملة الناس بظواهرهم وجعل البواطن موكولة إلى اللّه تعالى فليس لأحد من الحكام ولا الرؤساء الرسميين ولا لخليفة المسلمين أن يعاقب أحدا ولا أن يحاسبه على ما يعتقد أو يضمر في قلبه وانما العقوبات على المخالفات العملية للأحكام العامة المتعلقة بحقوق الناس ومصالحهم ، وقد فصلنا هذا في خلاصة تفسير سورة براءة - التوبة ( 10 ) مدار العبادات كلها على اتباع ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الظاهر فليس لأحد فيها رأي شخصي ولا رياسة ، ومدارها في الباطن على الاخلاص للّه تعالى وصحة النية ، والآيات والأحاديث في الامرين كثيرة